محمد بن جرير الطبري

189

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فانا والله لدمائهم مستحل ، وبحملها مستقل ، فقال : اجلس ، فإنما أنت خطيب ، فكان احفظه ذلك ، وانما قال ذلك لأنه بلغه انه يعيب عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ويكثر ذكر على ويفضله ، وقد كان دعاه ، فقال : إياك ان يبلغني عنك انك تعيب عثمان عند أحد من الناس ، وإياك ان يبلغني عنك انك تظهر شيئا من فضل على علانية ، فإنك لست بذاكر من فضل على شيئا أجهله ، بل انا اعلم بذلك ، ولكن هذا السلطان قد ظهر ، وقد أخذنا باظهار عيبه للناس ، فنحن ندع كثيرا مما أمرنا به ، ونذكر الشيء الذي لا نجد منه بدا ، ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقيه ، فان كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك وبين أصحابك وفي منازلكم سرا ، واما علانية في المسجد فان هذا لا يحتمله الخليفة لنا ، ولا يعذرنا به ، فكان يقول له : نعم افعل ، ثم يبلغه انه قد عاد إلى ما نهاه عنه ، فلما قام اليه وقال له : ابعثني إليهم ، وجد المغيرة قد حقد عليه خلافه إياه ، فقال : اجلس فإنما أنت خطيب ، فاحفظه ، فقال له : ا وما انا الا خطيب فقط ! اجل والله ، انى للخطيب الصليب الرئيس ، اما والله لو شهدتنى تحت رايه عبد القيس يوم الجمل حيث اختلفت القنا ، فشئون تفرى ، وهامه تختلى ، لعلمت انى انا الليث الهزبر ، فقال : حسبك الان ، لعمري لقد أوتيت لسانا فصيحا ، ولم يلبث قبيصة بن الدمون ان اخرج الجيش مع معقل ، وهم ثلاثة آلاف نقاوة الشيعة وفرسانهم . قال أبو مخنف : فحدثني النضر بن صالح ، عن سالم بن ربيعه ، قال : انى جالس عند المغيرة بن شعبه حين أتاه معقل بن قيس يسلم عليه ويودعه ، فقال له المغيرة : يا معقل بن قيس ، انى قد بعثت معك فرسان أهل المصر ، أمرت بهم فانتخبوا انتخابا ، فسر إلى هذه العصابة المارقه الذين فارقوا جماعتنا ، وشهدوا عليها بالكفر ، فادعهم إلى التوبة ، وإلى الدخول في الجماعة ، فان فعلوا فاقبل منهم ، واكفف عنهم ، وان هم لم يفعلوا فناجزهم ، واستعن بالله عليهم